mercredi 24 décembre 2025

من أقبية المخابرات إلى مكتب مديرك: كيف تحكم "عقيدة الصدمة" حياتنا؟

 من أقبية المخابرات إلى مكتب مديرك: كيف تحكم "عقيدة الصدمة" حياتنا؟

هل تخيلت يوماً وجود رابط خفي يجمع بين اجتماع سري للمخابرات المركزية الأمريكية (CIA) في الخمسينيات، انقلاب عسكري في تشيلي، سقوط الاتحاد السوفياتي، وبين رفض مديرك لزيادة راتبك؟
قد تبدو الأمور غير مترابطة، لكن القصة تبدأ بخيط رفيع يسمى "عقيدة الصدمة".

. البداية: تجربة "الصفحة البيضاء" (1951)
في 1 جوان 1951، وعبر تمويل سري من الـ CIA وبالتعاون مع الجيش الأمريكي، بدأت تجارب نفسية مرعبة في مستشفيات الأمراض العقلية (التي مهدت لما عرف لاحقاً ببرنامج MKUltra). كان الهدف دراسة "التحكم بالعقل".
الطريقة: تعريض المرضى لصدمات كهربائية ونفسية هائلة تفوق قدرة التحمل البشري.
النتيجة: اكتشف العلماء إمكانية "مسح" شخصية الإنسان وذاكرته، وإعادته لحالة طفولية تسمى "الصفحة البيضاء"، حيث يصبح العقل قابلاً لإعادة البرمجة بالكامل.
. التحول: من علم النفس إلى الاقتصاد


لم تتوقف القصة عند حدود الطب النفسي. التقط عالم الاقتصاد الشهير ميلتون فريدمان (أحد أعمدة مدرسة شيكاغو للاقتصاد) هذا المفهوم، وطور نظرية "العلاج الاقتصادي بالصدمة".
النظرية ببساطة: "ما يرفضه الإنسان في حالته الطبيعية المستقرة، سيقبله صاغراً إذا كان تحت تأثير الصدمة والخوف الشديد".
وهنا ولدت ما يعرف بـ "رأسمالية الكوارث".

. التطبيق العملي: تشيلي والاتحاد السوفياتي
تشيلي (1973): عندما وصل "سلفادور الليندي" للرئاسة ببرنامج اقتصادي يرفض الهيمنة الأمريكية، قررت المخابرات التدخل ليس عسكرياً فقط، بل نفسياً واقتصادياً. تم خلق حالة من الفوضى والرعب ونقص السلع، مما مهد الطريق للجنرال بينوشيه. وبينما كان الشعب يرفض الديكتاتورية في الظروف العادية، قبل الجميع بأي حل يوقف "نهر الدماء" والرعب، فتم تمرير سياسات اقتصادية قاسية لم يكن ليقبلها أحد لولا الصدمة.
الاتحاد السوفياتي: تكرر السيناريو عند تفكك الاتحاد السوفياتي؛ نُشرت الفوضى الاقتصادية والسياسية ليقبل الشعب ببيع مقدرات الدولة والخصخصة السريعة كحل وحيد للنجاة.


4. السؤال الأهم: ما علاقة مديرك بكل هذا؟
هنا نصل إلى النقطة التي تلامس حياتك اليومية. قد يمارس مديرك عليك "عقيدة الصدمة" المصغرة دون أن تدرك:
السيناريو: أنت موظف مجتهد، لديك مسؤوليات متراكمة، وقررت أخيراً أن تطلب زيادة في الراتب.
الصدمة الاستباقية: قبل أن تنطق بكلمة، يفاجئك المدير باجتماع عاجل يتحدث فيه بوجه شاحب عن "الوضع المالي الكارثي للشركة" (حتى لو كان كاذباً).
التهديد المبطن: يلمح إلى احتمالية تسريح عمال أو تقليل الرواتب لإنقاذ السفينة.
النتيجة: بدلاً من المطالبة بحقك في الزيادة، تصيبك حالة من الخوف (الصدمة) على مصدر رزقك، فتقبل بالبقاء بنفس الراتب، أو ربما توافق على تخفيضه وأنت ممتن لأنك لم تُطرد!
الخلاصة
هذا هو جوهر النظام الذي يقتات على الكوارث؛ حيث يستغل أصحاب النفوذ والمال المصائب (الحقيقية أو المفتعلة) لتمرير سياسات تزيد ثرواتهم على حساب خوف الناس وحاجتهم للأمان.
لمن يرغب في فهم أعمق لهذه الآلية المرعبة، يُنصح بشدة بقراءة الكتاب المرجعي في هذا المجال: 📚 "عقيدة الصدمة: صعود رأسمالية الكوارث" للكاتبة والمفكرة ناعومي كلاين.